الشنقيطي
30
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
إلى ظعن يقرضن أقواز مشرف * شمالا وعن أيمانهن الفوارس فقوله : « يقرضن أفواز مشرف » أي يقطعنها ويبعدنها ناحية الشمال وعن أيمانهن الفوارس ، وهو موضع أو رمال الدهناء . والأقواز : جمع قوز - بالفتح - وهو العالي من الرمل كأنه جبل . ويروى أجواز مشرف - جمع جوز ؛ من المجاز بمعنى الطريق . وهذا الذي ذكرنا هو الصواب في معنى قوله تعالى تَقْرِضُهُمْ خلافا لمن زعم أن معنى تقرضهم : تقطعهم من ضوئها شيئا ثم يزول سريعا كالقرض يسترد . ومراد قائل هذا القول - أن الشمس تميل عنهم بالغداة ، وتصيبهم بالعشي إصابة خفيفة ، بقدر ما يطيب لهم هواء المكان ولا يتعفن . قال أبو حيان في البحر : ولو كان من القرض الذي يعطى ثم يسترد لكان الفعل رباعيا ، فتكون التاء في قوله : « تقرضهم » مضمومة ، لكن دل فتح التاء من قوله « تقرضهم » على أنه من القرض بمعنى القطع ، أي تقطع لهم من ضوئها شيئا ، وقد علمت أن الصواب القول الأول . وقد قدمنا أن الفجوة : المتسع . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ فيه ثلاث قراءات سبعيات : قرأه ابن عامر الشامي « تّزاور » بإسكان الزاي وإسقاط الألف وتشديد الراء ؛ على وزن تحمر ، وهو على هذه القراءة من الأزورار بمعنى الميل ؛ كقول عنترة المتقدم : * فازور من وقع القنا * . البيت وقرأه الكوفيون وهم عاصم وحمزة والكسائي بالزاي المخففة بعدها ألف . وعلى هذه القراءة فأصله « تتزاور » فحذفت منه إحدى التاءين ؛ على حد قوله في الخلاصة : وما بتاءين ابتدى قد يقتصر * فيه على تا كتبين العبر وقرأه نافع المدني وابن كثير المكي وأبو عمرو البصري « تزّاور » بتشديد الزاي بعدها ألف ، وأصله « تتزاور » أدغمت فيه التاء في الزاي . وعلى هاتين القراءتين : أعني قراءة حذف إحدى التاءين ، وقراءة إدغامها في الزاي فهو من التزاور بمعنى الميل أيضا . وقد يأتي التفاعل بمعنى مجرد الفعل كما هنا ، وكقولهم : سافر وعاقب وعافى . وعلى قول من قال : إن في الكهف حواجز طبيعية تمنع من دخول الشمس بحسب وضع الكهف فالإشارة في قوله : ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ راجعة إلى ما ذكر من حديثهم ؛ أي ذلك المذكور إلى هدايتهم إلى التوحيد وإخراجهم من بين عبدة الأوثان ، وإيوائهم إلى ذلك الكهف ، وحمايتهم من عدوهم إلى آخر حديثهم - من آيات اللّه . وأصل الآية عند المحققين « أيية » بثلاث فتحات ، أبدلت فيه الياء الأولى ألفا ؛ والغالب في مثل ذلك أنه إذا اجتمع